اسماعيل بن محمد القونوي
102
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بركه واعتبر فيه اللزوم ولذا سمي محبس الماء بركة والبركة ثبوت الخير الإلهي كثبوت الماء في البركة ولما كان الخير الإلهي يصدر على وجه لا يحس قيل لكل ما علم فيه زيادة غير محسوسة تبارك وفيه بركة ولما فيه من الإشعار باللزوم وكونه غير محسوس اختص تبارك بالاستعمال في اللّه تعالى كذا نقل عنه وعلم من مجموع هذا البيان وجه قوله وهو الخير النامي . قوله : ( على أمم هم الذين معك سموا أمما لتحزبهم ) أي كلمة من بيانية والمراد هم الذين معه في السفينة فحينئذ إطلاق الأمم عليهم مع أنهم جماعة قليلة وجهه خفي ولذا تصدى وجهه فقال سموا أمما لتحزبهم لكونهم مجتمعين أو لكونهم متفرقين لكن كونه مفيدا لكونهم أمما محل تأمل . قوله : ( أو لتشعب الأمم منهم أو على أمم ناشئة ممن معك ) بناء على ارتكاب المجاز تسمية للسبب باسم المسبب فالوجه ما أشار إليه بقوله أو على أمم ناشئة الخ من كون من ابتدائية لا بيانية ولذا اختاره الزمخشري وقول المصنف والمراد بهم المؤمنون لقوله يشير إلى أن المختار عنده هذا الوجه وإنما أخره لبيان حسن التقابل على أحسن ترتيب ولو قدمه أولا ثم بين الوجه السابق لفات حسن الانتظام في أداء المرام على أن الوجه الأول يقتضي أن غير الأولاد لهم بقاء ونسل فحينئذ لا يصير نوح عليه السّلام آدما ثانيا وقد صرح به أولا وإن قيل إنه بناء على القول الآخر . قوله : ( والمراد بهم المؤمنون لقوله : وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ [ هود : 48 ] أي المراد بمن قوله : وعلى أمم هم الذين معك يشير تفسيره هذا إلى أن من في ممن معك للبيان لا للتبعيض . قوله : لتحزبهم هذا جواب سؤال عسى يرد ويقال من في السفينة أمة واحدة وهم أمة نوح لا أمم مختلفة فما معنى جمع الأمم وحاصل الجواب أنه جمع الأمة وإن كانت أمة واحدة لأنهم كانوا جماعات وهو الوجه الأول أو لأن الأمم تتشعب منهم فالجمع باعتبار ما يؤول إليه عاقبتهم . قوله : أو على أمم ناشئة عطف على قوله وعلى أمم هم الذين معك فهذا الوجه على أن يكون من لابتداء الغاية فالعطف باعتبار تغاير معنى من بيانا وابتداء غاية والمعنى على الثاني وعلى أمم ناشئة ممن معك وهي الأمم إلى آخر الدهر قال الزمخشري وهو الوجه لما يلزم من الأول تسميته الجماعة القليلة بالأمم ويلزم من الثاني اعتبار المجاز لغير المبالغة وأيضا لا يحسن التقابل بين قوله : وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ [ هود : 48 ] وبين قوله : أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ [ هود : 48 ] كما يحسن في الوجه الأخير فإن الأمم الناشئين من الذين هم في صحبة نوح في السفينة فرقتان فرقة مؤمنون داخلون تحت سلام اللّه وبركاته وفرقة أخرى ممتعون بالدنيا منقلبون إلى النار وفي قطع الجملة الثانية وهي وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ [ هود : 48 ] بجعلها ملتئمة من مبتدأ وخبر لأن التقدير وممن معك أمم سنمتعهم عن سنن الجملة الأولى دلالة على أن التمتع الجسماني والاشتغال به يخرج الإنسان عن حكم الصالحين من عباده وأن التبتل إلى اللّه يدخله في زمرة الأنبياء والصالحين وينظر هذا إلى قوله : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [ هود : 46 ] إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [ هود : 46 ] .